عبد الرحمن بدوي
130
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
البسيط نقصت من أقطاره حتى يتشابه . فيريد الفيلسوف أن تدبّر الشئ حتى يرد الكثيف إلى ما هو ألطف منه فلا يزال يزاد تدبيرا حتى يرتفع من حدّ الكثيف المطبوع إلى البسيط . وإنما قوله : « المراقى » فإنه يعلم أنه لا يمكن في الشئ أن يرد بسيطا في تدبير واحد ، بل يدبّر أبدا حتى يستحيل إلى ما هو ألطف منه . فشبه الفيلسوف هذا التدبير بالمراقى . قال أفلاطون : وأنت مستغن بالنظر في كتابي عن المعتاص . قال أحمد : ما أكثر شفقة الفيلسوف على طالبى الحكمة ! لأنه يقول في هذا الفصل إنك تستغنى بالنظر في كتابه - يعنى به الثالث والرابع الذي قد بيّن فيه التحليلات والتفريقات - عن الاستدلال بما يعتاص عليك ، يعنى به : ما قد أخبر أنه يمكن أن يستدل من أشكال أقليدس . قال أفلاطون : وإنما يخبر بالمعتاص لا لإدراك الشئ ، بل لإخراج لطيف من العلم يكون به مسلك إلى الحق - إلى أن قال : أو الشواهد . قال أحمد : يقول إنه ليس يخرج هذه الآراء العقلية لإدراك هذه الصنعة ، بل ليظهر لطيفا « 1 » من العلم يكون هو المنبئ عن علل الأشياء ويرشد إلى ما فيه الخروج « 2 » من حد البهيمية . وقوله : « للشواهد » - يقول : إذا بينته ببعض الأشياء العقلية تكون شاهدة بصحّة ما ذكره قبل الامتحان . قال أفلاطون : ونرجع في هذا الوقت إلى ما هو أولى بجنس هذا الكتاب المقصود فيه - إلى أن قال : واقصد في أول العمل إلى الجاسى لأن تدبيرك كذلك . قال أحمد : لما تجاوز إلى الاستدلال بالأشياء العقلية والوهمية كان ذلك مرتفعا عن حدّ هذه الصنعة . فنقول : إني أرجع في الكلام إلى ما يستحق جنس الصنعة . وقوله : « واقصد في أول العمل إلى الجاسى فإن تدبيرك أيضا [ 5 ا ] كذلك » - يعنى أن تدبيرك لا يكون له عهد بالعمل فلا يبلغ أن تدبر الشئ المحتاج إلى التدبير اللطيف .
--> ( 1 ) ص ، يعلن ( 2 ) ص : الخروج فيه .